الجمعة, 15 ديسمبر 2017
اخر تحديث للموقع : منذ 6 ساعات
المشرف العام
شريف عبد الحميد

الافتتاحية|كيف نواجه المشروع الإيراني الفارسي؟

المجلة - | Wed, Dec 6, 2017 4:25 AM
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

لم تتعرض المنطقة العربية منذ أيام الغزو المغولي الهمجي، ومن بعده الحملات الصليبية الفاشلة، لمشروع مدمر يستهدف استئصال شأفة وجودها مثل المشروع الإيراني، الذي انطلق منذ ثورة 1979 في طهران، وهو المشروع الذي أخدت «إيران بوست» على عاتقها مواجهته منذ صدورها، باعتباره أخطر مشروع يستهدف مقدرات الأمة بأكملها على المستويات كافة، وأن ظاهره اقتصادي وديني، ولكن حقيقته وباطنه هي بث الفتن وزعزعة المنطقة تحت الشعار المُعلن عنه، وهو «تصدير الثورة" إلى الأقاليم المجاورة، تمهيدا للقفز عليها بهدف إعادة إحياء «الإمبراطورية الفارسية".

ولقد سعت إيران منذ أوائل عقد الثمانينيات من القرن الماضي إلى خلق «جيوب" لها في المنطقة العربية، وأمدت هذه الجيوب بالمال والخبراء والسلاح، من أجل السيطرة من خلالها على الأمة العربية. والمثال الساطع على هذا التوجه التوسعي هو «حزب الله" في لبنان، الذي ارتكز في بدء نشأته على فلسفة سياسية قائمة على «المقاومة" وطرد المحتل الصهيوني، لكنه سرعان ما تحول إلى قوة سياسية وعسكرية ضاربة وجهت سهامها إلى الداخل اللبناني والعربي والإسلامي في نهاية المطاف، إلى درجة أن أمينه العام حسن نصر الله بات يفاخر علناً بأنه جندي من جنود «ولاية الفقيه"، وتلك خيانة لمقدرات الأمة العربية ما بعدها خيانة!

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأ «حزب الله" يستنسخ تجربته في دول عربية عدة، وساهم من خلالها في تعظيم النفوذ الإيراني في المنطقة. وكان اليمن هو المسرح الآخر، وقد لا يكون الأخير، لمحاولة الحزب مدعوما من إيران التوسع ونشر نمطها السياسي إقليميا عبر دعم «الجماعة الحوثية" ومساندتها في الانقلاب على حكومة اليمن الشرعية، وسبق ذلك التدخل عسكريا في العراق وسوريا.

وأنفق حكام طهران من «الملالي" المتطرفين ذوي التوجهات القومية الفارسية بلايين الدولارات على هذا المشروع، منتهجين أساليب استخباراتية وإعلامية وعدائية، منها الحرب الإلكترونية والتضليل الإعلامي، من أجل نشر مشروعهم الهادف إلى طمس الهوية العربية الإسلامية، مستخدمين في ذلك كل الوسائل وشتى الطرق، مستندين في سعيهم هذا إلى المبدأ المكيافيللي الشهير «الغاية تبرر الوسيلة".

والحقيقة التي لا مراء فيها أن ما يستهدفه المشروع الإيراني في أكثر من قطر عربي، هو إحداث أكبر قدر من التفتيت الطائفي والاجتماعي، والاستحواذ على جميع الفعاليات والمشاركات السياسية والاقتصادية بمشاركة بعض مواطني الدول العربية من الشيعة، كما يحدث في بعض دول الخليج ومنها البحرين، ما سيسهم - بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- في إشغال المجتمعات العربية عن القضية الرئيسة، وهي القضية الفلسطينية، وعن مواجهة المشروع الصهيوني العالمي والانشغال بالتنازع الداخلي.

ومع الأسف، فإنه في ظل غياب الدور العربي الإسلامي في مواجهة التوسع الإيراني، أصبح النظام الإيراني يمثل محورا رئيسيا في كل قضايا العرب ومشاكلهم، لذلك فمن المستحيل مواجهة مشروع يعادي الأمة وشعوبها وأقطارها، إلاّ بمشروع مضاد يحمل الأبعاد الاستراتيجية الأكثر عمقا، وتصنعه عقول المفكرين، ويدعمه الحكام، وتقويه الشعوب، ودون ذلك ستظل المشاريع المعادية تتوالى في تحقيق نجاحاتها والوصول إلى ما تصبو إليه.

وثمة عدة مستويات لمواجهة المشروع الفارسي الإيراني، تبدأ من المستوى السياسي، حيث يجب تكثيف العمل التعبوي على المستويات القومية العربية، لرفع وعي الشعوب بمخاطر مشروع ملالي إيران على القيم والأوطان ومستقبل الأجيال القادمة، حيث ينبغي أن تلتف القوى السياسية العربية حول توجه موحد مضاد للصفوية، من أجل رفع مستوى الوعي الجماهيري بمخاطر ذلك المشروع، وفضح أكاذيبه بخصوص «المقاومة" والدفاع عن قضايا الأمة.

وفي هذا الصدد، يجب تقديم الدعم السياسي للشعوب غير الفارسية التي تناضل من أجل تقرير مصيرها، وعلى رأسها الأحواز والأكراد والبلوش، وهذا ما سيفكك كيان إيران ويعيدها إلى حجمها الطبيعي. ومن ذلك الوقوف على المستوى الرسمي والشعبي العربي والإسلامي مع قضايا التحرر للشعوب المضطهدة تحت الاحتلال الفارسي، وهو ما سيشكل ضربة قاصمة لظهر ملالي طهران، وتحرير «الأحواز المحتلة منذ تسعة عقود يُبعد «الفرس" عن الخليج العربي، وهو تحجيم استراتيجي كبير للعنصرية الإيرانية.

وإلى ذلك، ينبغي مواجهة التمدد الشيعي في البلاد العربية والإسلامية على الصعيد الديني والأمني والثقافي والسياسي، وخاصة في الدول التي تشهد نشاطات تشييع في بدايتها مثل منطقة المغرب العربي الكبير. وقد ثبت أن إيران تنشط بكثافة حاليا في الجزائر وتونس.

ومن الثابت أن «الأمن الفكري" ضرورة ملحة لتحصين الشعوب والأوطان من أفكار تخريبية تزرعها إيران تحت غطاء عقائدي أو قومي أو سياسي لتدمير الذات العربية والإسلامية بما يخدم مشروعها التخريبي، فضلا عن تكثيف العمل الدعوي من طرف العلماء والدعاة عبر مختلف وسائل التواصل مع الشعوب؛ لمحاصرة التمدد الشيعي.

ومن الأهمية بمكان، عدم حصر أمر المواجهة الفكرية في العلماء والدعاة فقط، بل وجب توسيعه بمشاركة كل الطاقات الفكرية الحية من مفكرين وأدباء وشعراء ورياضيين وإعلاميين وكل النخب العربية والإسلامية؛ مما يعطي صورة غير الصراع المذهبي كما تسميه إيران وتريد التسويق له.

إن مشاركة كل النخب العربية يخرج مشروع إيران من الدائرة المذهبية إلى أخرى أكبر، تتمثل في كونه مشروعا احتلاليا يهدد الوجود العربي والإسلامي برمته، بغرض حماية المنظومات التربوية والجامعية، ومواجهة دور المتشيعين الموالين لإيران، والذين يزرعون أفكارهم الهدامة بطرق مختلفة تهدد الأمن القومي بلا أدنى شك.

أما على المستوى الإعلامي، فينبغي فتح مجال القنوات الفضائية المتخصصة وغير المتخصصة للعقول المناهضة لمشروع ملالي إيران، والتركيز على مخاطر المد الإيراني في البرامج ذات الانتشار الواسع، فضلا عن تخصيص فضائيات ومواقع إلكترونية لمواجهة طوفان الفضائيات الإيرانية التي تهدد العقل العربي والإسلامي بسمومها الفكرية والسياسية.

إن الدول العربية كافة مدعوة للاعتماد على النفس، وتوظيف كل ما لديها من أدوات وموارد لمواجهة الاستراتيجية الإيرانية التوسعية في المنطقة، ونسيان شيء اسمه «التحالف مع القوى الكبرى" ضد إيران أو غيرها من الدول، لأن هذه القوى أدارت ظهرها للعالم العربي.

وإذا كانت إيران تراهن علي خلفية قواها الذاتية وإدراك معطيات الضعف العربي، فإن ذلك يجري وفق معادلة مزدوجة تتمثل في إدامة الإرباك في دول الجوار، سواء بهدوء أو بصخب أو بالأمرين معا، مع المضي في الانفتاح علي الغرب وبما يحصن سياستها الإقليمية، فإن الواجب على الدول العربية مواصلة المواجهة المباشرة بما يحفظ متطلبات الأمن القومي العربي.

وأخيرا، وليس آخرا، لابد أن تستخدم الدول العربية والخليجية منها خاصة كل مواردها الجيوبوليتيكية، لدعم قدراتها الدفاعية الذاتية، بالتعاون مع دول سُنية محورية في المنطقة على رأسها مصر، وتعزيز ذلك التعاون والذي في حالة نجاحه سيجذب دولا أخري عربية، وذلك في إطار منظومة أمن قومي عربي مشتركة، يمكن حال تشكيلها أن تشكل رادعا قويا في مواجهة الأطماع الإيرانية.

إيران بوست

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت