الجمعة, 15 ديسمبر 2017
اخر تحديث للموقع : منذ 7 ساعات
المشرف العام
شريف عبد الحميد

قراءة في استراتيجية نشر التشيع(3)

منطلقات الاستراتيجية «الإيرانية - الشيعية»

المجلة - د. حمدي عبيد | Thu, Dec 7, 2017 4:25 AM
تلقّوا نشرتنا اليوميّة إلى بريدكم الإلكتروني

تركز هذه الورقة على استقراء، وفهم استراتيجية نشر التشيع - حصان طروادة لاختراق المجتمعات المسلمة-، وأيضًا فهم الوضع الاستراتيجي للصراع الجاري ضد الأمة، والدور المحوري لظاهرة التبشير الشيعي داخل استراتيجيات هذا الصراع، فتحدد رؤية وفهم لطبيعة ومخاطر وخريطة هذا الدور، وعوامل الضعف والقوة، وأهم ما تحقق من نتائج المرحلة الماضية، وأيضًا الدور الوظيفي لإيران في خدمة استراتيجيات أعداء الأمة؛ كدولة مركزية راعية للتشيع في العالم. وتنطلق هذه الاستراتيجية من أربعة منطلقات رئيسة:

1- التاريخي: وفيه تستند الاستراتيجية الإيرانية - الشيعية على التاريخ والجغرافيا معًا للتدليل على أن حضورها في المنطقة، وتأثيرها هو جزء وامتداد طبيعي يستعيد لها حدود الإمبراطورية الساسانية الجغرافية؛ بما في ذلك اليمن، وبعض أجزاء من المنطقة العربية، وفي سبيل ذلك تستدعي بعض المكتشفات الأثرية إعلاميًّا بشكل ممنهج ومتكرر لتشكيل مزاج عام داخلي يدعم طموحها السياسي هذا.

وهو أمر لا تخطئه العين، فبين فترة وأخرى تخرج تصريحات من كبار المسئولين تعبّر عن تجذُّر هذا المرتكز التاريخي في العقلية الإيرانية السياسية، ولعل تصريح علي يونسي مساعد الرئيس الإيراني (حسن روحاني) ووزير الاستخبارات الأسبق ووصفه بغداد بأنها عاصمة إيران كما كانت في السابق يؤكد ذلك، وكذلك تصريح رحيم صفوي مستشار المرشد حين قال: "إننا وصلنا إلى البحر المتوسط للمرة الثالثة".

وواضح أن الهدف من إحياء الحلم الساساني استغلالاً لقوة النزعة القومية في الهوية الإيرانية في العصر الحديث، أو تحت دعوى استعادة الميراث الصفوي فالعراق مثلاً يعتبرونه بشكل عام من ميراث الدولة الصفوية التي قامت على أنقاض دولة الخروف الأبيض (أق قوينلو) التركمانية التي كانت تحكم العراق وإيران، وهكذا... مستغلين في ذلك تلك الخصائص الجيواستراتيجية التي تمتلكها دولة المركز –إيران- من الكتلة البرية الواسعة والبحرية الممتدة على الخليج العربي وبحر عمان، وامتلاكها لمضيق هرمز المشرف عليهما، فرغم ما يمثله هكذا موقع جغرافي من عوامل للقوة في تفعيل التمدد المذهبي في المحيط السني، بيد أن اتصال إيران بمناطق التماس والحزام السني قد وضعها في صراع دائم معه منذ برزت كدولة ذات وحدة سياسية مغايرة مذهبيًّا، وذات طموح توسعي –الدولة الصفوية- وقد قامت استراتيجيتها للحفاظ على تماسك الداخل الإيراني المتعدد العرقيات والديانات والمذاهب على تشكيل مصدات مذهبية تنقل إليها الصراع خارج حدود الدولة المركزية لتجتمع تلك الأقليات على قضية قومية واحدة، وتتفرغ الدولة فيها للبناء الداخلي، وهي نفس الاستراتيجية التي يتبناها المشروع الشيعي في صورته المعاصرة من تحديد ثلاثة مجالات حيوية مذهبية يتشكل منها وفيها المصدات المذهبية للحفاظ عليه، وهي:

أ- المجال الحيوي الشمالي، ويشمل دول القوقاز وآسيا الوسطى وشمال غرب آسيا وبحر قزوين، ورغم ما تمثله هذه الدول من مصدات أمام الأطماع الروسية التاريخية، مع ما تكتنزه تلك الدول من موارد وعوائد اقتصادية إضافية؛ تعمل مع غيرها كخطوط إمداد مذهبية لصالح المشروع، ولم تعطِ إيران هذا المجال أولوية لخضوعه للمجال الحيوي الروسي الذي تؤجل معه المواجهة، بينما استخدمت أساليب الاختراق الناعم مستغلة الاستنفار الروسي ضد الصعود السني في الجمهوريات الإسلامية بعد هزيمتها منه في أفغانستان التي تعتبرها إيران جزءًا تاريخيًّا منها، فتقدمت كبديل يهدئ من روع الروس، لتعمل إيران ومشروعها ضمن استراتيجية المواجهة مع الإسلام السني صاحب الأرض في الجمهوريات ذات العلاقة سابقًا بالاتحاد السوفييتي بتنسيق كامل مع الروس.

ب- المجال الحيوي الثاني، والأكثر أهمية لإيران الجوار الجنوبي الممثل في دول الخليج العربي والعراق بما يمتلكه من مخزون روحي يدعم مكانة الدولة المركزية، ويؤكد زعامتها على العالم الشيعي في حال سيطرتها على المدن والمراقد المقدسة عند الشيعة بالعراق، مثل النجف وكربلاء، والسيطرة على مرجعيتها، وزعامتها للعالم الإسلامي بأسره حال سيطرتها على مكة المكرمة والمدينة المنورة، يقول علي أكبر ولاياتي: "إن ساحلنا الجنوبي والخليج ومضيق هرمز وعجمان، هي حدودنا الاستراتيجية الأكثر أهمية، وإن هذه المنطقة حيوية بالنسب لنا، ولا يمكن أن نكون لا مبالين حيالها" (1).

وبالفعل لم يكونوا غير مبالين حيال هذه المنطقة الحيوية، وهو ما تم من خلال تحالفها مع الأمريكان في ضرب وتفتيت الكيان السني في العراق كقوة إقليمية منعت إيران طوال قرون من التوسع مذهبيًّا، مستخدمة معها القوة الخشنة من تكوين وتسليح المليشيات الشيعية التابعة لها، إلى التدخل المباشر سياسيًّا واقتصاديًّا، على أن العراق حجر الزاوية في المجال الحيوي كمصدة مذهبية أولى لها، وساحة الصراع التاريخي مع العثمانيين رافعي لواء السنة مقابل الصفويين الشيعة، وأن العراق بتكوينه المذهبي إحدى دول الصدع المذهبي لوجود الأقليات الشيعية الفاعلة فيه، والتي تشابهه بعض دول الخليج، لاسيما البحرين التي تزيد فيها نسبة الشيعة، ومن بعدها الكويت والإمارات، وإن كانت السعودية بها أقلية شيعية مرتبطة بإيران ونشطة لذلك تليهم في الأهمية، ولكن نظرًا لقوة الحكومة والمحيط السني المتماسك لا تفتأ إيران عن تحريك هذه الأقلية للإنهاك الدائم، وعدم الاستقرار الذي يُستخدَم كورقة ضغط ومساومة، أو خلخلة وإرباك للدولة الشقيقة الكبرى لباقي دول الخليج التي تقوم الاستراتيجية الشيعية بالعمل على إضعافها لإضعاف العالم السني من بعدها.

ج- بينما المجال الحيوي الثالث يشمل بقية دول الظهور المذهبي بما فيها دول الشام واليمن، ومصر والمغرب، ومن ثَم يأتي بعدها في الأولوية باقي دول العالم لامتلاك أوراق ضغط متعددة على الساحة الدولية، وبخاصة في أمريكا والدول الغربية وروسيا والصين؛ حيث يستفيد الشيعة من مناخ الحرية والانفتاح والديمقراطية في تكوين جماعات ضغط –ستأتي الإشارة إلى دورها لاحقًا- تساعد في الحفاظ على المشروع وأدواته، ومن خلال تكوين أقليات تابعة ولائيًّا لها – مذهبيًّا وسياسيًّا.

2- القومي:

ويدعمه ما سبق الإشارة إليه، والذي يوحد بدوره جميع الفرقاء الإيرانيين، سواء في الداخل الإيراني أو خارجه حول أحقية الدور الإيراني في المنطقة، وضرورة ظهورها بوصفها القوة الإقليمية الأقوى في المنطقة، وهو ما تطابقت عليه رؤية وثيقة العشرين للتنمية (2005-2025م) مع رؤية إيران الخارجية خلال العشرين عامًا التي أقرها مجمع تشخيص مصلحة النظام في عام 2002م بأن تصبح إيران الدولة الرائدة التي تتبوأ المركز الأول اقتصاديًّا وعلميًّا وتقنيًّا على الصعيد الإقليمي ليؤهلها أن تصبح الدولة الحامية والقلب للشرق الأوسط الإسلامي الجديد الحر حسب تعبير خامنئي في خطبة الجمعة 4 فبراير 2011م.

وتحت هذه الراية القومية في شكلها العلماني؛ تحرك شاه إيران لاحتلال بعض الأراضي العربية تحت مزاعم الإرث الساساني، ولم تختلف سياسات خميني ومن تلاه في البناء على نتائج سياسات الأسرة البهلوية، ولكن مع استعادة الإرث الصفوي الذي نجح في توحيد مختلف العرقيات والإثنيات التي استوطنت بلاد فارس؛ من عرب وأتراك، ومغول وفرس، وأكراد وبلوش نحو قومية مذهبية تذوب فيها تلك العرقيات جميعًا، مستخدمًا نفس أساليبه ووسائله في ظل هذه التركيبة الفسيفسائية.

وترتكز سياسة نظام ولاية الفقيه التي تحكم إيران حاليًا على بعدين رئيسين؛ هما: البعد القومي والبعد المذهبي. وقد سيطر هذان البعدان على توجهات إيران واستراتيجياتها على المستويين الداخلي والخارجي على حد سواء. هذان البعدان يتم استخدامهما من قبل نظام ولاية الفقيه في إيران لتفادي الاستحقاقات الداخلية من خلال الترويج لنظرية تعتمد على فكرة «العدو المتربص» بالبلاد الذي سوف ينقضّ عليها إذا لم يتم أخذ كافة الاحتياطات والسبل للتصدي له ودحره بكافة الوسائل... (يتبع)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بصيرة الداود، التنويع في تصدير الثورة، صحيفة الحياة، لندن، 18/10/2010م. نقلاً عن شحاتة محمد ناصر، الجغرافيا وأثرها على علاقات إيران العربية، الفصل السادس من الجمهورية الإسلامية دراسة مسحية، معهد البحوث العربية – جامعة الدول العربية، القاهرة، 1436-2014م.

تعليقات

أراء وأقوال

اشترك في النشرة البريدية لمجلة إيران بوست

بالتسجيل في هذا البريد الإلكتروني، أنتم توافقون على شروط استخدام الموقع. يمكنكم مغادرة قائمة المراسلات في أي وقت